قصة قصيرة - أيام المستنقع - تيسير نظمي / قاص من فلسطين
قصة قصيرة - أيام المستنقع - تيسير نظمي / قاص من فلسطين أيام المستنقع، وكان الجو حاراً يسلق كرتوناً كاملاً من البيض دون أن يقليه قلياً إن سقط فجأة بين يديك علي مقدمة السيارة ولم تكن جاهزاً لكشط دينار من النقود بالسرعة الممكنة، لم يكن أمامك أي وقت ولا وراءك ولا بين بين سوي أن تحسم أمرك وتقرر، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أنت وهي، فإن كنت جملاً علي الاحتمال فلن تكون هي غير أنثي الجمل وإن كنت اسداً في الميدان، رغم استحالة ذلك في صحراء مكشوفة، تكون هي لبؤة ذلك الزمان وإن كنت وعلاً nوهذا أيضاً n كانت غزالة، أيام المستنقع، وكان الجو رطباً تنزع النظارات فيه فوراً عندما تنعدم الرؤية فجأة إن انتقلت من التكييف لجحيم أبدي خارج زجاج نافذة السيارة، ما كان ممكناً في تلك الأيام انتظار قارئة الفنجان أو البصارة، فعومت الأمر تماماً والبنت أيضاً كانت علي قدر من الجمال غير واضح والدنيا ربيع فكيف ستكون واضحاً فيما بعد في أيلول المقبل وأواخر أغسطس المدبر؟ أيام المستنقع، وكان الجو خماسينياً ورياح الغبار والرمل المعزوق في البصر وفي البصيرة، ما كانت الرياح التي تذروك أينما وليت وجهك تترك لكَ أي خيار بين المصطبة والحصيرة، فاخترت أنت نزع النظارة دون ان تفكر ملياً بالشُّطار وبالشطارة ولا بتحويل العملات ولا التجارة، أيام المستنقع، تلك أيام الشاطرين والشطار والشطارة، ربما كانت هي الدار ولم تتفكر بعد بما هو آتٍ ولا بالدمار، إنما هو الغبرة وهو الغبار وأنت بريء كأنما للتو خارج من الغار، ومن التأملات وصفاء الروح المتجذرة بالحزن والممتدة نحو كل الصروح، من الرومانسية الأسبانية وكتب الفروسية ورواية (الفنار)، قررت ما قررت واخترت ما قررت وكتبت وسرت في الطرقات وسَيَّرتَ كل ما هو ممكن ضدك وكل ما هو n عما قليل- سيصبح ندك، أيام المستنقع، مضيت ولم تسمع، رغم أن الأحبة قالوا: ( إن رحت هيهات أن ترجع) أيام المستنقع، تزوجتها زواجاً ما منه بدٌ، ولا منه حَدٌ، أيام المستنقع، هيهات أن ترجع، سمكة كانت،ولها عين السمكة. انتشلتها فرحاً وأغدقت الماء، سمكة خشيت عليها من شهقة الهواء، منحتها الحب والبحر والسماء.. عزيزتي السمكة... إياك والفك المفترس، إن أنت غبتِ عن ناظري في هذا اليم، وعليك احتمالي واحتمالك من هذا الغم، فالهم يقتلني الهم، وعدٌ واتفاق وفرحة؟ أجل.. اتفقنا إذن، وحالاً سريعاً الدبكة والزفة والطرحة، وعندما تلدين يا عزيزتي من أقصي الأرض سنأتيك بالقرفة والقزحة. لا.. لا تقلقي هكذا، فليس في الأمر أية مزحة أيام المستنقع، تلك.. آهٍ من أيام المستنقع، فلا غيمة في سماء ولا مزاريب تشفع، أيام..أيام.. أيام المستنقع. وإذ كنت خارجاً لتوي من بيت الذبابة، التقطني الشرطي الواقف وأسلمني وأنا خائف لشرطي آخر ودبابة، فامتثلت لأنني غادرت منذ سنة تقريباً المستنقع، والفك المفترس، وكل ما هو في غزو البلدان من غدر الخلان وكل ما هو ذلٍ وكل ما هو هوان، مفتشاً عن الأمان مهما تباهظت الأثمان وأياً كانت تحولات المكان الجديد والزمان، فقد قررت أيضاً إن لم ألق وظيفة أن أفتح أيضاً دكاناً وتباً للخلان. (ادخل) فدخلت، وإذا بثلة من الضباط علي أهبة الاستعداد وقوفاً لتوجيه السؤال: - هل تعرف لماذا جئنا بك إلي هنا؟ قلت: - لا وقلتها واثقاً ملء الفلاة. - وهل تعرف المشتكي أو المشتكية؟ قلت أيضاً بكل ثقة، رغم وجود بعض الخلافات العائلية: - أكيد ...لا فتبختر الضابط المسؤول، وراح بين مرؤوسيه يتمشي، حتي قبل أن أتغدي أو أتعشي وشرع في الممر الطويل يصول ثم يجول قبل أن يقول: - إذن تفضل معاي. فتفضلت لا أدري إلي أين، فأدار مفتاح بابٍ حديدي وقال: - انزع حزامك وأعطني ربطة عنقك وفتش بنفسك هندامك، وأعطني ولاعتك وعلبة السجائر وودع أحبابك وكل خلانك، فنحن هنا لن نقول لك أن لسانك هو حصانك، وعليك بنفسك أن تفكر من هون لبكره من صانك ومن خانك، هيا أمامي فلا تظن أنني سأمشي طول الطريق قدامك. وهكذا تعرفت لأول مرة في حياتي علي المكان الخانق الذي يسمونه النظارة، وخلعت مما خلعت الخاتم والساعة والنظارة كأنما كنا في ساحة حرب والكل متوقع، بعد ثوان، بعد ساعة، بعد أيام، سَتُشَنَّ الغارة. لم أقل لنفسي إرضاء لنفسي من هو الشاكي في تلك الساعة من الليل؟ وحيث لا ماء ولا طعام ولا خيل، ولم أسألها نفسي الطاهرة عن المشتكي أو الشاكي وعن المتصل وعن الحاكي فكل البلاد إن لم تكن زرقاء فهي خاكي، وهكذا من ثقب باب نافذة الزنزانة بت أرقب صبيحة اليوم التالي الرائح من مركز البوليس والجايي، إلي أن أبصرت جلبة وضجة وطرقعة بساطير وهمهمة وهمير والكل منضبطة في الخارج وفي الداخل الكل أسير. فقلت ثمة أمر جلل وثمة ما هو خطير، فلربما القادم مسؤولاً أعلي ولربما سفير، إلي أن دار بالباب المفتاح دون أن ينادي المنادي علي عبد الرحمن أو قاسم أو حسن أو عبد الفتاح و(يا حمير)، أشار العريف بطرف إصبعه عليّ والباب أزاح فبلغت ما بلغت أنا من ارتياح. أغلق الباب من ورائي علي من فيه وبالقيد الذي بين يديه ربط راحتي يديّ بكلتا يديه وورائي راح يدفعني للمسير. دخلت فوجدت كل الضباط علي شكل دائرة تحيط بكائن خطير وقد ابتعدوا قليلاً..قليلاً وبحذر عن تمساح تحدق عيناه المفترستان بي، ولكن دون مستنقع أو ماء، تمساح حقيقي يتضور جوعاً ومن وراء المكتب سألني: اسمك وعمرك؟ نظرت حولي فإذا بي أعرف عيني التمساح، وأصابتني الصدمة والذهول، أين أنا، ومن أنا، ومن هم، ومن أين عرفت بقلبي عيني التمساح فقط وأين السمكة التي أعرف؟ قلت.. اسمك وعمرك وعملك؟ حدقت هذه المرة في عيني السائل، وكلي شك إن كان يخاطبني أنا أم يخاطب التمساح. أنا؟ وإلا أنا؟ أنا. ونظرت هذه المرة للتمساح، أو للفك المفترس، معقول؟ نفس عيني السمكة بعد أن جف من زمن الماء والرطوبة والهواء، لم يعد هنالك مستنقع، وكررت أكاد أجن: أنا.... أنا....أنا؟ فقالت التمساح بكل هدوء ومن حولها الدولة: نعم أنت.
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1971 Date 22/11/2004
جريدة (الزمان) --- العدد 1971 --- التاريخ 2004 - 11 -22